هاشم معروف الحسني

155

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

والذي اتفق عليه أكثر المؤرخين والمحدثين أنه لما أمره اللّه أن ينذر عشيرته الأقربين دعا عليا وقال له : اصنع لي صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن واجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ، ففعل علي ( ع ) ما أمره به ثم دعاهم وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا على حد تعبير الراوي ، وفيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب وغيرهم من أعمامه وبني عمومته ، فأحضر علي لهم الطعام ووضعه بين أيديهم وكان بإمكان الرجل الواحد أن يأكله بكامله ، فتهامسوا وتبادلوا النظرات الساخرة من تلك المائدة التي لا تقوم حسب العادة لأكثر من رجلين أو ثلاثة رجال ، ثم مدوا أيديهم إليها وجعلوا يأكلون ولا يبدو عليها النقص حتى شبعوا وبقي من الطعام ما يكفي لغيرهم وتبادلوا النظرات كالمدهوشين ، ثم شربوا من ذلك اللبن وبقي ما يكفي غيرهم ، ولم يستطع عمه أبو لهب أن يكتم ما بنفسه من الحقد والكراهية لمحمد ، وكان النبي ( ص ) قد استعد للحديث معهم عن الاسلام ، فسبقه أبو لهب والتفت إلى اخوته وبني عمه وهم لا يزالون في حيرة من امر ذلك الطعام القليل وقال لقد سحركم محمد بما ترون . وقال الأستاذ عبد الفتاح وهو يتحدث عن هذا الموقف من مواقف أبي لهب ، قال : فلم يلق إليه النبي بالا ، إنه ليعلم مآتي حقده على كل حال لأن النساء وحي الأزواج ، وما كان أبو لهب ليتخذ غير موقفه هذا وزوجته أم جميل بنت حرب بن أمية ، وما كان لتبقى له هاشميته وقد نام مع سليلة الأضغان في فراش واحد « 1 » . وتنص أكثر الروايات أن القوم انصرفوا قبل أن يكلمهم النبي بشيء عن الاسلام ، وبعد أيام قال لعلي ( ع ) : يا علي قد رأيت كيف سبقني هذا الرجل إلى الكلام ، فاصنع لنا طعاما في غد واجمعهم كما جمعتهم أولا ، فبادر علي إلى تنفيذ أمر النبي ودعاهم إلى الطعام كما فعل في المرة الأولى ، فلما اكلوا وشربوا قال لهم النبي ( ص ) :

--> ( 1 ) انظر ص 45 من المجلد الأول منشورات مكتبة العرفان .